السيد محمد حسين فضل الله
176
من وحي القرآن
تأخير في ما تقتضي المصلحة الإسراع فيه ، وذلك هو قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَلَّا تَكْتُبُوها ، لأنه لا ضرر عليكم من ذلك وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ كما تشهدون في حال الدّين ، لتثبت من خلال ذلك ملكيتكم للأشياء التي تشترونها . . . وَلا يُضَارَّ كاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ لأن الكاتب بالعدل والشاهد به ينطلقان من أمر اللَّه الذي أراد به مصلحة الناس ، فلا يجوز لأحد الإضرار بهما ، فيما إذا كان الحق على خلاف رغبته ، ومن يفعل ذلك ، فإنه ينحرف عن خط اللَّه الذي أمرنا بالسير عليه وجعل الانحراف عنه فسقا وضلالا وضياعا في متاهات الضلال . وذكر بعضهم - كما في مجمع البيان - أن أصل ( يضارّ ) يضارر بكسر الراء الأولى عن الحسن وقتادة وعطاء وابن زيد ، فيكون النهي للكاتب والشاهد عن المضارّة ، فعلى هذا ، فمعنى المضارّة أن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه ويشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه أو بأن يمتنع من إقامة الشهادة ، وقيل : الأصل فيه لا يضارر بفتح الراء الأولى عن ابن مسعود ومجاهد ، فيكون معناه : لا يكلف الكاتب الكتابة في حال عذر ولا يتفرغ إليها ولا يضيق الأمر على الشاهد بأن يدعى إلى إثبات الشهادة وإقامتها في حال عذر ولا يعنّف عليهما . قال الزجاج : والأول أبين لقوله : وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ فالفاسق أشبه بغير العدل وبمن حرّف الكتاب منه بالذي دعا شاهدا ليشهد أو دعا كاتبا ليكتب وهو مشغول « 1 » . والظاهر هو الوجه الثاني ، لأن الخطاب هو للناس الذين يطلبون الشهادة والكتابة بقرينة قوله : وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ ولو كان - على نحو المبني للفاعل - كما هو الوجه الأول - لكان من المفروض توجيه الخطاب للكاتب أو الشهيد ، إما على نحو
--> ( 1 ) مجمع البيان ، ج : 1 ، ص : 514 .